بيانات جَديدة تمَّ اكتشافها قَد تُغير كل شيء حَلُم به عُلماء فيزياء الجسيمات .

لطالما أجرى عُلماء فيزياء الجُسَيمات التَجربة تِلو الأخرى في مُصادم الجُسَيمات الكَبير في جنيف بسويسرا للعثور على جُسَيمات مادونَ ذَرية مُحتَمَلة أو ظواهر جَديدة ناهيك عن محاولتهم خَلق المادَّة المُظلمة أو الكَشف عَن أبعاد جَديدة أو ضَغط المادَّة إلى حجم ميكروسكوبي مُماثل للثقوب السوداء. لكنَّ إمكانية وجود جُسَيم ذو شُحنة كَهربائية تُساوي صفر و أثقل بِمِقدار أربع مرات مِن الكوارك الأعلى ــ أثقل جسيم ــ قادر على التحلل إلى زوجين مِن الفوتونات أمر لم يَخطر بِبال أحد قط . لا يُوجَد عالِم فِيزياء نَظَريَّة واحد تَنَبأ بِمِثل هذه الفِكرة , بَل إنَّه حتى لِم يَقَع التَفكير أو الإعداد لأي تَجربة مِن شأنها إماطة اللثام عن جُسَيم مُماثل. ولِهذا عِندما تَمَكَّن فَريقان مُنفَصِلان في الخامس عَشر مِن ديسمبر الماضي مِن إيجاد إشارات لِوجود جُسَيم كهذا, كانت ردَّة فِعل الخُبراء شَبيهة بِردة فِعل الفِيزيائي الأمريكي إسحاق رابي بُعَيد التَوصُّل إلى اكتشاف الميون ــ الجُسَيم الأثقل نِسبيًا مِن الإلكترون ــ سَنة 1973 عِندما قال ” من أمر بذلك؟”.

إذا كان الجُسَيم مَوجودًا فَإن تَبِعات ذلك سَتَكون هائلة لأن وُجُوده لَم يَكُن مُتَوَقَّعًا. مِنَ الوارد أن يَكون هذا أهمَّ اكتشاف في فِيزياء الجُسَيمات مُنذ اكتشاف الكوارك ــ المكون الأوَّلي لِلبروتونات و النِيوترونات ــ الذي تمَّ إثبات وُجُودهِ سَنة 1970 ,ورُبَّما يَكونُ هذا الاكتشاف أهمَّ من اكتشاف الميون نَفسِهِ. حتى الآن الدلائل لا تزال غَير كافية و ضَعيفة , ولكن عندما يَقوم مُصادم الجُسيمات بسَحق البروتونات بَعضها ببَعض فإنَّه يَتَوافق مَع عدد مِن أزواج فوتونات أشعَّة جاما والتي تُساوي مَجموع طاقتها (750 جيجا إلكترون فولت). الحقيقة أن جِهازين مُنفَصلَين قاما بكَشف نَفس مِقدار الطاقة على دَرجة قَريبة من التماثل وهذا يَمنح شيئًا مِن الأمل لكن إشارات مُشوَّهة كَهذه كَثيرا ما تَظهر بَعد التدقيق و التَمحيص على أنَّها مجرَّد تَشويش يَحصل أثناء التَجربة.


وعلى الرغم مِن ذلك فإن الباحثين بِمختَبر مُصادم الجُسيمات في سويسرا نادرًا ما تَكلَّموا عَن شيء عدا هذا الاكتشاف بل إن هناك أكثر مِن وَرَقة علميَّة أصدرها باحثون و عُلماء فيزياء النظريَّة تَهدُف إلى تَفسير هذا الجُسيم. إحدى هذه الفَرضيَّات أن الجُسَيم يُمكن أن يَكون أحد نُظراء (الهيجز بوزون) الأثقل كُتلة مِنه , وَفَرضية أخرى أكثر جَدَلًا تَزعُم أن هذا الجُسَيم هو إحدى أنواع (الغرافيتون) الجُسَيم الذي يَقوم بنَقل قوَّة الجاذبيَّة , وَإن صَحَّت هذه الفَرضية فَإن ذلك يَفتحُ الباب أمام إمكانيَّة وجود أبعاد أخرى للزمكان غَير التي نَعرفها.
البَعض قام بالتَقليل من أهَميَّة هذه التَحليلات و بأنَّها مُجرد مُحاولة لِتَضخيم المسألة , أحد الفيزيائيين أجرى مُقارنة كَمَّية بَين بَعض الاكتشافات الغَير مَسبوقة في الماضي و التي تَضاءل الاهتمام بها فِيما بَعد بَل و قام بِتَوصيف ما يَقوم به عُلماء الفيزياء النظريَّة على أنَّه مُطاردة للسراب مُستشهدًا بِقول ألبرت أينشتاين ” إذا كان الناس يَعرفون ما يَبحثون عنه مُسبقًا فإنَّ هذا لا يُعدُّ بحثًا”.

يُمكن تَفهَّم حَماس عُلماء فيزياء الجُسَيمات لِهذه المَسألة إذا رافَقَهُ بَعض التَحَرُّز. لِسَنوات عَديدة كان هذا المَجال زاخرًا بِاكتشافات مُطابقة لِلنموذَج المعياري الذي قام بِوَضعهِ مَجموعة مِن عُلماء الفيزياء النَظرية و قام بِتَحقيق نَجاحات غَير مَسبوقة. الجيل الحالي مِن الفِيزيائيين الشباب لَم يولدوا بَعد عندما بَدأت أوائل مُسارعات الجُسَيمات بإبراز النَتائج العَظيمة و المُفاجئة. في تلك الأثناء كل الأبحاث التي أجريَت لمُحاولة إيجاد بَديل لِلنموذج المعياري عادت خالية الوفاض سَواًء في مُسارع الجُسيمات الأكبر أو في مُسارعات أخرى أو أجهزة رَصد تَم إنشاؤها تَحت الأرض أو إرسالها في الفضاء بَحثًا عن المادة المظلمة. الاستثناء الوحيد القابل للذكر هو الاكتشاف الذي تمَّ سنة 1998 بِشأن النيوترينو و تَغير حالته طبيعيًا بَين النَكهات الثلاث الأمر الذي لَم يَتَنبَّأ بِهِ النموذَج المعياري و استَحَقَّ بِسَبَبه المُكتَشفون جائزة نوبل لِلفيزياء في السنة الماضية .

زوجان من الفوتونات( بالأخضر) أنتجا أثناء المصادمات بمصادم الجسيمات الكبير قد تشير إلى وجود بوزون بكتله 750 جيغاإلكترونفولت.

يُقدِّم مُصادم الجُسيمات الكبير حاليَّا إمكانية غَير مَسبوقة لِزَعزعة ما كنا نَعرفه. في عام 2015 عاد المُصادم للعمل بَعد تَوقُّف كَبير وَقد وَصَل إلى دَرجة مِن الطاقة لَم نَبلغها مِن قَبل ألا و هي (13 تيرا إلكترون فولت) بَعد أن كان المُستَوى القياسي (8 تيرا إلكترون فولت) و هذا ما جَعَل مِن المُمكن الكَشف عَن مَزيد مِن الجُسَيمات بهذا المُستوى من الطاقة. لكنَّ هذا سَيَكون آخر مُستوى يُمكن أن يَبلغَه الجيل الحالي مِن المُصادمات. والآلات جَديدة إن كان وُجودها مُمكنا سَتَستغرق سَنوات مِن التَصميم و البَحث و البِناء.
الأمر الجَيد أنَّنا لَن نَنتَظر كثيرا لِنَعرف إذا كان هذا الاكتشاف دَليلا على جُسَيم جَديد أم مُجرَّد تَشوُّه إحصائي في القياسات. مُصادم الجُسيمات كان له وَقت مَعقول لِرَصد بَعض المُصادمات القَليلة بهذا المُستوى القياسي للطاقة (13 تيرا إلكترون فولت) وسَيَكون عليه أن يَأخذ قِسطا مِن الراحة أثناء التَوقُّف في الشتاء. في مُقابلة أجريت في جِبال الألب الإيطالية ستبدأ من 12 مارس , مِنَ المُمكن أن يُقدِّم الباحثون تَحاليل جَديدة بشأن البَيانات قَد تَمنَحنا مَفاتيح لِكشف الغُموض. سَتَعود الآلات بالمُصادم إلى العَمل بِشَهر ابريل وَ إذا كانت الإشارات التي تَمَّ رَصدها مُجَرَّد تَشَوه فَإنَّها لَن تَظهر ثانية بِحلُول الصَيف و إلا فإنَّنا مُقبِلون على إعلان هام في الدَورة القادمة مِن المؤتمرات الصحفيَّة .
___________
إعداد: Haythem Stiti
مراجعة: Ahmed W. Salih
.
.
.
مصدر من نيتشر

Comments

comments