الكون المعاد تدويره : نظرية جديدة قد تحل لغز كوني كبير !

قد يتسنى تفسير واحد من أكبر الألغاز الكونية بواسطة نظرية مثيرة للجدل تقوم على انفجار الكون ضمن الوجود، وليس لمرة واحدة فقط، إنما مراراً وتكراراً ضمن دورات لا متناهية من الموت والانبعاث. تدعى بنظرية الكون الدَّوريّ – Cyclic universe ، يمكن لهذه النظرية أن تفسر السبب بكون شكلاً تنافرياً من الطاقة يعرف باسم “الثابت الكوني” والذي يعمل على تسريع التوسع الكوني، أصغر بكثير مما تم توقعه في النموذج القياسي من نظرية الانفجار العظيم.
يقترح بول ستينهارت Paul Steinhardt من جامعة برينستون، ونيل توروك Neil Turok من جامعة كامبردج في دراسة تفصيلية جديدة نشرت ضمن العدد الخامس من مجلة SCIENCE في مايو، أن الثابت الكوني كان أكبر فيما مضى بكثير ولكن قيمته تلاشت مع كل انبعاث جديد للكون.

العقول العظيمة في حيرة من أمرها
يُعتقد أيضاً أن الثابت الكوني، والمعروف بالرمز lambda” ʎ”، أنه شكل من أشكال الطاقة التي تتنافر مع نفسها مما يؤدي لتسريع عملية توسع الكون. اقترح العالم آينشتاين في البداية أن ذلك عبارة عن قوة معاكسة لجاذبية المادة بغرض شرح سبب ظهور الكون بشكل ثابت، لاينمو ولا يتقلص وعبر عن ذلك بإضافة الثابت الكوني لمعادلة النسبية العامة. إلا أنه تجاهل الفكرة لاحقاً عندما كشفت مشاهدات عالم الفلك إيدوين هابل Edwin Hubble أن الكون في واقع الأمر يتوسع!
من الممكن أن يكون هناك ” كون ” داخل كل ثقب أسود !!
أعيد إحياء مفهوم ” اللامدا ʎ ” في أواخر التسعينات من القرن الماضي، عندما اكتشف علماء الفلك حقيقة أن الكون لايتوسع فحسب، بل كان يحدث هذ التوسع بوتيرة متسارعة! لاتزال حقيقة لامدا غير مؤكدة بالنسبة للعلماء. حيث أنها وفقاً للفكرة المعهودة، عبارة عن طاقة الفضاء نفسه. وفقاً للفيزياء الكمومية، يحتوي هذا الفضاء الذي يبدو خلاءاً فارغاً على جسيمات وهمية تومض باستمرار داخل الوجود وخارجه كبقع صغيرة من زبد البحر. في النهاية ستتلاشى هذه الجسيمات، ولكن طاقاتها ستتحد مع بعضها لتمنح كل سم3 من الفضاء كمية معينة من الطاقة.

وفقاً للنسبية العامة، تولد “طاقة الفراغ” قوة مضاد للجاذبية تدفع بالفضاء ومحتوياته بعيداً. إضافة الثابت الكوني لامدا من جديد على معادلة النسبية العامة بعد أن قام العالم آينشتاين بإسقاطها من المعادلة باعتبارها قوى معاكسة للجاذبية تعبر عن ثبات الكون .
ولكن ثمة مشكلة: تلك اللامدا التي اكتشفها العلماء أصغر بجوجول مرة (عدد جوجول هو عدد كبير مكون من عدد 1 يليه 100 صفر) مما توقعته النظرية. لتفسير هذا التضارب الكبير، أجبر الفيزيائيون على الخروج بنظريات أقوى من أي وقت مضى.

تفسير مفهوم لامدا ʎ
إحدى الأفكار هي أن لامدا ليست صغيرة فعلاً، إنما تبدو كذلك لأنه تم إلغاؤها من القوى المجهولة الأخرى بدقة وإحكام شبه تامّين. وعلى الرغم من ذلك لم يتم العثور حتى الآن على أية آلية يمكن أن تكون المسبب في هذا الإلغاء.
الحل البديل هو “الاختيار الإنثروبي أو الإنساني” وهي فكرة مثيرة للجدل تسعى لتفسير ظهور العديد من الثوابت في الطبيعة، والتي بأخذها لقيم صحيحة ودقيقة تضمن نشأة الحياة واستمرارها. مثلاً، إذا كانت قيمة لامدا كبيرة للغاية، سينفجر الكون على الفور بعد الانفجار العظيم بفترة وجيزة. وفقاً لما يدعى بالمبدأ الإنثروبي، يتم تحديد بعض الخصائص الكونية من خلال المقتضيات التي يكتشفها المراقبون، وهم البشر في حالتنا! بعبارة أخرى، تكون قيمة لامدا صغيرة فقط في عالم يمكن أن توجد فيه كائنات ذكية تتساءل عن سبب صغر هذه القيمة.

يوجد العديد من الأفكار المختلفة التي تشرح مبدأ عمل الاختيار الإنثروبي. أحد الاحتمالات يفترض وجود العديد من الأكوان المتوازية والتي تتعايش مع بعضها؛ قد يمتلك كل منها العديد من الثوابت ذات القيم المختلفة، وقد يعود الفضل في بقاء الحياة مستمرة في الكون الذي ننتمي إليه إلى هذه الثوابت. إذاً فإن هذه الثوابت تمنح الكون خاصياته المدونة، وأي تغير طفيف سيقتضي إلغاء الحياة ومنه وجود الإنسان الذي يتلائم مع الوضع الحالي للكون، والذي يعتبر المراقب الوحيد لهذه الملاحظات.

إنها قوة ميكانيكا الكم التي تسمح للشمس بإن تُشع !

تفترض فكرة أخرى مشابهة وجود كون واحد لامتناه، ولكن قيم لامدا تختلف من منطقة إلى أخرى. وقد كان حدثاً استثنائياً وجودنا ضمن فقاعة نادرة حيث يتخذ الثابت قيمة مناسبة تماماً لنشأة المجرات والنجوم، وبالطبع نشأة البشر. تجعل نظرية الاختيار الإنثروبي العديد من العلماء في حيرة من أمرهم، لأنها تفترض أن قوانين الفيزياء قد تعمل بشكل مختلف ضمن أجزاء متباعدة من الكون. وفي أقوى أشكالها، يمكن أن ننظر إلى الاختيار الإنثروبي على أنه أساس لتفسير الوجود. نظراً إلى أن الكون مضبوط بإحكام وبشكل انتقائي لاستمرار حياة الأنواع الذكية.

“ترتئي النظرية الأنثروبية، بأنه يترتب علينا لكي نتمكن من تفسير الكون الذي نرى، وضع فرضيات قوية لوجود أكوان أخرى لانستطيع رؤيتها أبداً” وفقاً لما أدلى به ستينهارت لموقع SPACE.com. ويستكمل قائلاً:”كما يفترض أيضاً أن الكون الذي نعيش فيه لا نموذجي أو شاذّ. وتعتبر فرضيات كهذه غير اعتيادية في العلوم، ومن غير الواضح ضرورة توجهنا في مثل هذا الاتجاه الجذري.”
أكبر خمس مشاكل في الفيزياء النظرية.

الكون الدَّوري – Cyclic universe

تم اقتراح فكرة الكون الدوري بداية في عام 2002 من قبل ستينهارت وتوروك، وتعتبر النظرية البديلة للاختيار الأنثروبي. “إن ]قيمة لامدا[ واحدة من الأحاجي الأساسية في علم الفيزياء” وفقاً لستينهارت. وأضاف “من المحير بأنها تقود مجتمع الفيزياء باتجاه المنهج الإنثروبي. لذا من الهام معرفة إمكانية وجود حلّ آخر لا إنثروبي”
وأحدث التعديلات المفاجئة التي أجراها العلماء على نموذج الدراسة، هي أن قيمة لامدا تتحلل مع مرور الزمن، وذلك مع كل دورة يتمّها الكون، وحتى ضمن الدورة الواحدة.
قام العلماء باختبار تطبيق لامدا ذات القيم المتعددة على نموذج الانفجار العظيم القياسي Big Bang، ولكنه لم ينجح، ذلك لأن الزمن اللازم للوصول للقيمة المنخفضة الحالية لـ لامدا أطول بكثير من عمر الكون المعروف ضمن هذا النموذج. من المحتمل أن يقدم الدمج مابين لامدا متضائلة مع فكرة الكون الدوري حلاً لهذه المشكلة.

الحلّ الحاذق
على الرغم من أنه أعرب عن مخاوف أخرى إزاء نظرية الكون الدوري، إلا أن ألكسندر فيلينكن Alexander Vilenkin، عالم كونيات في جامعة تافتس Tufts University في ماساتشوستس والذي لم يشارك في الدراسة، قد أقر أن حل ستينهارت وتوروك للغز الثابت الكوني كان “حاذقاً”. ينشأ كل حوالي تريليون سنة مادة وطاقة جديدتين ضمن الكون الدوري، عندما يصطدم “غشاء” أشبه بالصفائح المزدوجة على طول بعد إضافي في الفضاء. تم التنبؤ “بالأغشية” من قبل نظرية الأوتار string theory. وهي النظرية التي تحاول شرح انسجام الجسيمات والقوى التي نراها بشكل واحد، بحيث تكون على هيئة أوتار مهتزة أو بالأحرى أغشية، وتفترض أننا نعيش ضمن كون يحتوي على أكثر من عشرة أبعاد.
وبسبب احتمالية وجود عدد لامتناه من الدورات، فإن الكون سيكون أقدم بكثير من 14.7 مليار سنة وهي الفترة التي يقدرها العلماء (اقرأ هنا المزيد عن اكتشاف العلماء لأدلة جديدة حول اللحظات الأولى لانشطار الكون). هذا من شأنه أن يتيح الوقت الكافي لقيمة لامدا أن تتضائل إلى القيمة التي يراها علماء الفلك حالياً.


يعتقد ستينهارت وتوروك أن لامدا قد تضاءلت بشكل جعل من إيقاع هذا التضاؤل يتباطأ مع الزمن. مما يعني بأن الاحتمال الأكبر هو أن العلماء سيكتشفون حالياً قيمة صغيرة لـ لامدا وليس قيمة كبيرة. ولأن لامدا بقيمتها المرتفعة تمنع الكون الذي نعرفه من التشكل، فإن الدورات الأولى للكون كانت تخلو من المجرات، والنجوم وأي سبيل للحياة؛ وفقط في الدورات اللاحقة عندما تضاءلت لامدا إلى قيمة أصغر بكثير، تمكنت المادة من الادماج لتشكيل العالم الذي نعيش اليوم فيه.

يقدر كلا العالمان أن كل دورة كونية استمرت لحوالي تريليون سنة. وخلال هذا الوقت، يدير الكون مساره الطبيعي، ولكن في الوقت نفسه تنتشر المادة والطاقة ضمن الفضاء حتى تتمدد بشدة. “إنهم في الواقع متمددون للغاية، لدرجة أنه ربما لن نتمكن من رؤية حتى جسيماً واحداً من تلك المادة البكريّة والإشعاع الكوني في أفق مشاهدتنا، أو الرقعة التي يمكننا مشاهدتها من الفضاء.” وفقاً لستينهارت.
بمجرد أن يتم إفراغ الكون، تُحدث قوة جاذبة تصادماً كونياً مع غشاء مضاعف. كل اصطدام هو في جوهره انفجار عظيم Big Bang جديد يشبع الكون الهَرِم بمادة وطاقة جديدتين.
توسع الكون بعد الانفجار العظيم
استطاع الفيزيائيون ربط عقد كمومي لأول مرة!
يقول ستينهارت أنه يمكن اختبار نظريتهم المذهلة: تتنبأ نظرية الانفجار العظيم التضخمية -التي تدعم توسع الكون- بأن الموجات الثقالية والتي تنشأ في نهاية التضخم تترك أثراً على خواص الأشعة الميكروية الكونية، وهي شكل منتشر من الإشعاع الكهروميغناطيسي الذي يملأ الكون. إذا أظهرت التجارب المستقبلية نمط الاستقطاب الذي تنتجه هذه الموجات، فإنها ستدحض نظرية الكون الدوري وستستبعدها كحل محتمل لمشكلة الثابت الكوني.

إعداد: مرح مسعود
تدقيق: صلاح الدين محمود

مصدر:
https://www.space.com/2372-recycled-universe-theory-solve-cosmic-mystery.html

Comments

comments