معضلة الثابت الكوني وأصل الكون!

تُعتبر نظرية الكون الدوري – cyclic universe theory من النظريات المثيرة، وذلك بطرحها مسألة دورية الكون، التي تفترض أن كونًا يُوْلد وينتهي في أدوار متتالية لا متناهية. برزت هذه النظرية كمحاولة لتفسير أكثر المفاهيم غموضًا في الكون، في ما يعرف بـ الثابت الكوني – cosmological constant .

تُعتبرالثابت الكوني من أكثر المفاهيم غموضًا في الكون، والتي يرمز لها ب “لامدا- lambda” وهي نوع من الطاقة النافرة (عكس الجاذبية)، التي تدفع الكون إلى التسارع في التمدد. وأول من نظر لها، هو ألبرت أينشتاين، حين حاول تعديل معادلاته بثابتة افتراضية، تعاكس الجاذبية للحصول على كون ثابت، لا يتقلص ولا يتمدد. لكنه تخلى عن هذه الثابتة بعد اكتشاف (إدوين هابل) تمدد الكون.
وتم الرجوع إلى فكرة الثابت الكوني سنة 1990، بعد ملاحظة أن الكون لا يتمدد فقط، بل يتسارع في التمدد. وإلى اليوم لا يعرف أحد ماهية هذه الثابتة، وقدمت تفسيرات، أشهرها تلك التي افترضت أن هذه الثابتة ما هي إلا طاقة المكان نفسه. إذ حسب نظرية الكوانتم، لا يوجد هناك فراغ، فالفراغ يتكون من جزيئات شبحية تخيلية (virtual particles)، تظهر للوجود وتختفي في مدد زمنية متناهية الصغر. مجموع هذه الجزيئات في حجم معين يشكل طاقة للفراغ، ما يُعرف بكثافة طاقة الفراغ (vacuum energy). وحسب النسبية العامة، طاقة الفراغ هذه، تخلق قوة دافعة مضادة للجاذبية، التي تدفع المكان نفسه للتمدد.

لكن غموضًا أكبر تجلى، عندما تم قياس كمية هذه الثابتة في الكون، إذ كانت النتيجة أقل بجوجول – Googol مرة (أي واحد إلى جانبه 100 صفر)، من القيمة المتوقعة نظريًا. وقيمة الثابتة الكونية هو 122-^10 ، أي واحد مقسوم على 122^10. هذه قيمة صغيرة جدًا، تقريبًا منعدمة. على سبيل المقارنة، فإن عدد الجزيئات في الكون كله (المعروف حاليًا) لايتجاوز (84^10). ولتفسير هذا التفاوت الكبير، اقترح العلماء عدة تفاسير:

أولها، هو أن الثابتة ليست صغيرة، بل يتم خصمها من طرف قوة أخرى مجهولة تقريبًا مساوية لها. لكن إلى اليوم لم يتم التوصل إلى هذه القوة، ولو نظريًا.
تفسير آخر مثير للجدل تطرح فكرة المبدأ الإنساني anthropic principle-، فكرة تحاول تفسير دقة المقادير الفزيائية، إذ أن أغلب الثوابت الكونية والعلمية دقيقة جدًا، وتساوي تمامًا القيم التي تسمح بظهور حياة. فلو كانت “لامدا” (lambda) أكبر بقليل من قيمتها الحالية لانفجر الكون في بدايته قبل تشكل النجوم والكواكب. وحسب هذا المبدأ الإنساني، فإن المقادير اُخْتيرت بطريقة تسمح لمراقب (وهم نحن في هذه الحالة) بوصف الكون ومراقبته وتحليله فيزيائيًا. بطريقة أخرى، فقط في كون تكون فيه “لامدا” صغيرة جدًا، يمكن أن تظهر حياة ذكية تتساءل لماذا وجدث بتلك القيمة الصغيرة !


وطريقة اختيار هذا الثابت الكوني له تفسيرات من بينها، وجود أكوان متعددة وكل كون له ثابته الخاصة، وحدث في كوننا أنْ كانت تلك الثابت تسمح بظهور كائنات ذكية.
تفسير آخر مشابه، وهو أن الكون لا نهائي، وتختلف فيه الثابتة من منطقة لأخرى، وحدث أن وجدنا في منطقة ثابتتها تسمح بظهور النجوم والكواكب والحياة. ولا يحبذ العلماء فكرة المبدأ الإنساني، لكونه يطرح فكرة أن القوانين الفيزيائية قد تختلف من كون لآخر، أو تختلف في أجزاء أخرى من الكون نفسه. ومن جهة أخرى قد يعزز المبدأ الإنساني فكرة الخلق، لكونها تَعْتبر أن الكون مدقق بطريقة تسمح بظهور حياة ذكية.

كما عبر عن ذلك العالم (Steinhardt) بقوله: “إن قيمة الثابت الكوني (Lambda) من أكبر ألغاز الفيزياء. إنها مُحيرة لدرجة أنها دفعت الفيزيائين للمقاربة الإنسانية (المبدأ الإنساني)، لذلك من المهم معرفة ما إذا كان هناك تفسير آخر موجودًا ولا يعتمد نفس المبدأ”. حاول الباحثون تفسير صِغر الثابتة بكونها لم تكن صغيرة منذ البداية، لكنها بدأت تتفكك وتتناقص مع الزمن، حتي بلغت هاته القيمة الصغيرة. لكن باعتمادهم على النموذج العام للانفجار الكبير، توصلوا إلى أن تناقص قيمة الثابتة “lambda” إلى قيمتها الحالية، يتطلب زمن أكبر من عمر الكون.

وقدم العالمان (Steinhardt) و (Turok) بعد ذلك فكرة بديلة، تعتمد كذلك على افتراض تناقص قيمة الكوني مع الزمن، لكن في كون دوري، ما يتيح وقتًا كافيًا لتفكك الثابت إلى قيمتها المتناهية في الصغر. وقدروا عمر كل دور من أدوار الكون بحوالي تريليون عام، وخلال كل دور تتمدد المادة داخل الكون حتى تؤول للخفوت وتختفي. كما عبر عن ذلك (Steinhardt) بقوله: “تصبح قليلة وخافتة، لدرجة أنه يصبح من الصعب إيجاد جزيئة واحدة من المادة أو الإشعاع في أفق الكون الذي يمكن أن نراه”. وما أن يفرغ الكون من المادة، حتى ينهار الكون على نفسه، مُشكلًا بذلك الشروط البدئية لانفجار كبير يُشكل المادة والطاقة في دورةٍ جديدةٍ. ووضح (Steinhardt) كيف يمكن امتحان نظريتهما، وذلك باستعمال آشعة الخلفية الكونية، التي تكونت في نهاية التضخم الكوني الذي حدث مباشرةً بعد الانفجار العظيم.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعداد: ayegou Aissam
تدقيق لغوي: Mohammed Diab
.
.
.
مصدر

Comments

comments