قال ستيفن هوكينج من قبل: ” إن الثقوب السوداء غير موجودة! فماذا يقصد؟ وهل هذا صحيح؟”

أعلن موقعُ نيتشر مؤخراً أنّه لا توجدُ ثقوبٌ سوداءُ. هذا الادعاء لم يدلى به سوى ستيفن هوكينج، فهل هذا يعني أنّ الثقوب السوداء غير موجودةٍ؟

ذلك يعتمدُ على كون فكرةِ هوكينج الجديدة صحيحةً وعلى معنى كلمة ثقب أسود . تستند المحاججة على ورقة بحثيةٍ جديدةٍ من قبلِ هوكينغ تدعي أنّ أفقَ الحدث في الثقب الأسود غير موجود. أفق الحدث في الثّقب الأسود هو في الأساس نقطة اللاعودة عند الاقترابِ من الثّقب الأسودِ. في نظريةِ أينشتاين للنسبيةِ العامّة، أفق الحدث هو المكان الذي يتشوَّه فيه الوقت بسبب الجاذبية التي لا يمكنكَ الإفلاتُ منها. عبور أفق الحدث يعني أنّهُ لا مجال للإفلات من الثقب الأسود، أي نحو داخل الثقب الأسود، المشكلة مع ممر أفق الحدث الوحيد هو أنه يؤدي إلى ما يعرف بمفارقة المعلومات.

مفارقة المعلومات لها أصولٌ في الدّيناميكا الحرارية، وتحديداً القانون الثاني للدّيناميكا الحرارية، في أبسط أشكاله يمكن تلخيصه بأنّه “تدفقات الحرارة من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة” ولكنّ القانون هو أكثرُ فائدة عندما يتم التعبير عنه من حيث الإنتروبيا، وبهذه الطريقة ذُكر بأن “إنتروبيّة النظام لا يمكن أن تنخفض أبداً”. كثير من الناس يفسّر الإنتروبيا على أنها مستوى الفوضى في أيّ نظام، أو جزء غير قابلٍ للاستخدام من النظامِ، وهذا يعني أنّ الأمور يجبُ أن تصبحَ دائما أقلّ فائدةً بمرور الوقت، ولكن في الحقيقة الإنتروبيا هي كميّة المعلومات التي تحتاجها لوصف النّظام، ومن السهل وصف نظامٍ مرتّب (مثلاً، تباعد الرخام بشكلٍ متساوٍ في شبكة) لأنّ الكائنات لها علاقاتٌ بسيطةٌ مع بعضِها، من ناحيةٍ أخرى، فإنّ النظامَ المُخْتَلّ (الرخام المنتشر عشوائيا) يأخذ المزيدَ من المعلوماتِ لوصفه، لأنّه لا يوجدُ نمطٌ بسيطٌ لهم، لذلك عندما يقول القانونُ الثاني إنّ الإنتروبيا لا يمكن أن تنخفضَ أبدًا، فهذا يعني أنّ المعلومات المادية للنظام لا يمكنُ أن تنخفضَ، وبعبارةٍ أخرى، لا يمكن تدميرُ المعلومات.


المشكلة مع أفق الحدث أنّه يمكن رمي كائن (مع قدر كبير من الإنتروبيا) في ثقبٍ أسود، والإنتروبيا ببساطةٍ سوفَ تذهبُ بعيداً. وبعبارةٍ أخرى، فإن إنتروبيا الكون سوف تتناقصُ، وهذا من شأنه أن ينتهك القانون الثاني للدّيناميكا الحرارية، وبطبيعة الحال هذا لا يأخذُ في الاعتبار الآثار الكمومية، وتحديداً ما يعرف باسمِ إشعاع هوكينغ، والذي اقترحه ستيفن هوكينغ لأوّل مرة عام 1974.

الفكرةُ الأصليةُ لإشعاع هوكينغ تنبعُ من مبدأ عدم اليقين في نظرية الكم، في نظرية الكم هناك حدود لما يمكن أن يُعرف عن كائن، على سبيل المثال، لا يمكنك معرفة طاقةِ الكائن بالضبط، وبسبب هذا الغموض؛ يمكن أن تتقلب طاقة النظام تلقائياً، بقدر ماتبقى متوسطة تظل ثابتة. ما أثبته هوكينغ هو أنّه بالقرب من أفق حدث الثقب الأسود الجسيمات تتوالد في أزواج، عندما يصبحُ أحدُ الجسيماتِ محاصراً داخل أفقِ الحدث (يحدّ من كتلة الثقب الأسود قليلاً) في حين آخر يمكنه الهروب كما الإشعاع (تحمل قليلا من طاقة الثقب الأسود).
ولأن هذه الجزيئات الكمومية تظهرُ في أزواج، فهي “متشابكة” (متصلة بطريقة كمومية)؛ هذا لا يهم كثيراً، إلا إذا كنت تريد إشعاع هوكينغ لتشع المعلومات المحتواة في الثقب الأسود. في صياغة هوكينج الأصلية، ظهرت الجسيماتُ على نحو عشوائي، وبالتّالي فإن الإشعاعَ المنبعثَ من الثقبِ الأسود كان عشوائيا بطريقة بحتة، وبالتالي إشعاع هوكينج لن يسمح لك باسترداد أيٍّ من المعلومات المحاصرة.

للسماحِ لإشعاع هوكينغ بحملِ المعلوماتِ من الثقبِ الأسود، يجب كسر التشابك الكمّي بين أزواج الجسيمات في أفقِ الحدث، بدلاً من أن يتشابكَ الجسيمُ الهاربُ مع الجسيمِ الحامل للمعلوماتِ داخل الثقب الأسود، كسر التشابك الأصلي من شأنه أن يجعل الجسيمات الهاربة تظهر كـ”جدارٍ ناريّ” مكثفٍ على سطح أفق الحدث، وهذا يعني أنّ أيّ شيء يسقط نحو الثقب الأسود لن يجعله في الثقب الأسود، بدلا من ذلك سيتمّ تبخيرها من قبل إشعاع هوكينج عندما تصلُ إلى أفق الحدث، ومن ثم يبدو أنّ المعلومات المادية للكائن تفقد عندما تقع في ثقب أسود (مفارقة المعلومات) أو يتمّ تبخيرها قبلَ دخولِها الثقبَ الأسود (مفارقة الجدار الناري).

في هذه الورقة الجديدة، يقترح هوكينج نهجاً مختلفاً، ويحاجج بأنّه بدلاً من الجاذبية التي تفسد المكان والزمان في أفق الحدث، فإن التقلبات الكمومية لإشعاع هوكينغ تخلق طبقة اضطراب في تلك المنطقة. لذلك بدلا من أفق الحدث الحاد، سيكون للثقب الأسود أفق واضح يشبه أفق الحدث، ولكن سيسمح بتسرب المعلومات. ويضيف هوكينج: سيكون الاضطرابُ كبيراً لدرجةِ أنّ المعلوماتِ التي تترك ثقباً أسودَ سوف تكون متزاحمةً بحيث إنها غير قابلة للاسترداد على نحو فعال.


إذا كان ستيفن هوكينغ على حقّ، فإنه يمكن أن تحلّ مفارقة المعلومات ومفارقة الجدار النّاري التي ابتليتْ الفيزياءُ النّظريةُ بها، سوف تظلّ الثقوب السوداء موجودةً في شعور الفيزياء الفلكية (الثقب الأسود وسط مجرتنا لن يذهب إلى أي مكان) لكنها ستفتقر لأفق الحدث، وينبغي التأكيد على أنّ ورقة هوكينج لم تتمَّ مراجعتها من قبل الأقران، وهي تفتقر إلى التفاصيل، بل هي ليست أكثر من عرض فكرةٍ بدلاً من حل مفصل للمفارقة، وستكون هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد إذا ما كانت هذه الفكرة هي الحل الذي كنا نبحث عنه.
.
ـــــــــــــ
اعداد:- Ali Ibrahem
مراجعة:- صهيب كلاليب
.
.
.
مصدر لإدعاء هوكينجمصدر

Comments

comments