نوبل في الفيزياء ورحلة الموجات الثقالية خلال 1.3 مليار عام و لكن من منظور أخر!

تم إعلان الفائزين بجائزة نوبل للفيزياء لعام ٢٠١٧ منذ قليل، وكما كان متوقعًا فقد فاز علماء مرصد LIGO عن رصدهم الموجات الثقالية. الموجات الثقالية والتي تشبه إلى حد كبير التموجات التي تحدث في بركة المياه عند إلقاءك حجر صغير بها؛ ولكن على النقيض، فهي تحدث في الفضاء وفي ظروف أكثر عنفًا بكثير كتصادم ثقوب سوداء. تنتشر تلك الموجات في الفضاء تمامًا كما تنتشر الموجة على سطح البركة، ولكن بدلًا من تموجات المياه على سطح البركة فهي تموجات نسيج الفضاء المُسمى بالزمكان. 1*

دعونا نتوقف هنا للحظات. فليس الهدف من المقال شرح التصادم او هوية الموجات الثقالية فهذا يُعتبر بمعايير اليوم خبر قديم نسبياً، و لكني سأتناول الموضوع من وجة نظر أخرى. ما تم رصده منذ سنتين بالظبط عبارة عن تصادم ثقبان يبعدان عنا بمقدار ١.٣ مليار سنة ضوئية 1*، وبما أننا نعرف أن الموجات الثقالية تسير بنفس سرعة الضوء 1*، فقد استغرق وصولها لنا ١٣٠٠ مليون سنة. لا شك أن هذا يذهلنا نحن كبشر! كيف نتخيل 1.3 مليار سنة؟ أين كنا منذ ١.٣ مليار عام؟ أو على الأقل كيف كان كوكبنا؟

الهدف من المقال هو الإجابة على هذه الأسئلة و نبدأ الرحلة منذ ١.٣ مليار عام، وفي مجرة بعيدة جدًا عن مجرتنا حدث تصادم لثقبين أسودين 1* ، وهو حدث يُعد طبيعيًا بالنسبة للكون. وفي نفس الوقت هنا على كوكب الأرض كان كل شىء يبدو مختلفًا، فاليابسة كانت عبارة عن قارة واحدة عملاقة يتخللها بعض البحار و محيط واحد عظيم تم تسميتها القارة رودينيا العظيمة – Rodinia، ولم يكن هناك أي كائن مُعقد. لا وجود للنبات ولا الحشرات ولا الحيوان – فإذا ما عدت بالزمن ونظرت لكوكب الأرض من الفضاء لن ترى أي مساحة خضراء حينها – حتى أنه لم يكن هناك أي تكاثر جنسي موجود على كوكبنا. فكوكب الأرض حينها ما هو إلا كوكب يحتوي على حياة بدائية مُهمشة تعتمد في أغلبها على البناء الضوئي، وبعض الخلايا التي بها نواة تحمل مادتها الوراثية، وبعض متعددات الخلايا، وكل هذا في البحار. بينما اليابسة صحراء جرداء، لدرجة اذا كان على المريخ حينها بحار و مححيطات كالتي كانت على الأرض فلن تستطيع التفريق بينهما في الواقع!

منذ 520 – 580 مليون عام
استمر كوكبنا على هذا المنوال لمئات الملايين من السنين، هذا المنوال المختلف كلياً عن حال كوكبنا اليوم – اليوم كان 21 ساعة فقط حينها 4*- ونظرًا لأننا لم نرى أي ظهور لحفريات صلبة – كالعظام – تظهر في طبقات الجيولوجية القديمة، قد يكون -أو لا يكون- حينها حيوانات رخوة متنوعة تعيش في البحار. ولكن أخيرًا بدأ ظهور حيوانات قشرية وأسماك عظمية في السجل الأحفوري، ومن ثم بدأنا نلاحظ التنوع الرهيب في هذه الفترة التي باتت تعرف بالانفجار الكامبري. وليس هناك مُبالغة بتسميته انفجار، فالتنوع من حشرات ونباتات بدائية غير ملونة وحيوانات كان مذهلًا حقًا!

منذ حوالي 330 – 380 مليون عام
لم تكن الأرض ساكنة حينها أيضاً – لم دتكن أبداً ساكنة – فهي دائماً على موعد; نعم موعد مع الإندماج و من ثم الإنفصال و هكذا، هذه الدورة معروفة و تحدث كل 400 مليون سنة كمتوسط تسمى “دورة القارة العظمى – Supercontinent cycle”، فكانت قارات الأرض تتحرك نحو الاندماج مرة أخرى، نعم الاندماج نحو القارة الموحدة العظيمة و تم تسميتها هذه المره “بانجيا – Pangea” و هو أحدث إندماج حدث للقارات و سيحدث مرة أخرة بعد حوالي 200-250 مليون عام من الآن. 2,3*
منذ ٣٥٠ مليون سنة، لم يكن أي بلد من الموجودين حاليًا في مكانه، فـ كندا مثلًا لم تكن بالقرب من القطب الشمالي بل اليابان! وفي غضون ذلك الوقت ظهر في السجل الأحفوري حفرية التكتاليك التي تحمل صفات مشتركة بين الكائنات البرية والبحرية، وبدأ بعدها ظهور الحيوانات على الارض.3*

منذ 265 مليون عام
في هذا الوقت ظهر جنس من الفقاريات قوي ومتنوع جدًا وهو الديناصورات بالطبع. استطاع هذا النوع أن يُهيمن على الكوكب لمدة تزيد عن١٥٠ مليون عام ، لك أن تتخيل أن الفترة الزمنية بين ديناصور يسمى ستيجوسورس – Stegosaurus و ديناصور التي ريكس – T-REX الشهير أكبر بكثير من الفترة بين التي ريكس نفسه و البشر الحاليين، لذلك لا تقلل من قَدْر هذا الكائن فقد نجح في الاستمرار والتغلب على عقبات الحياة أكثر منا بمئات الأضعاف فنحن لم يمض وجودنا على هذا الكوكب أكثر من 350 ألف عام في أكثر الدراسات تفائلاً. بالمناسبة ألازلت تتذكر تصادم الثقوب السوداء في بداية الموضوع؟ لم تصلنا الموجات بعد فما زالت في طريقها إلينا! 5*

منذ 66 مليون عام
كأن الثدييات القديمة ربحت اليناصيب؛ نعم يناصيب الحياة، عندما جاء الشبح المُدمر، ذاك النيزك الذي كان الضربة القاضية التي أضعفت الديناصورات في عصر تدهورها وغيرت من المناخ فاندثرت أكثر فأكثر، وبدأ عصر ازدهار الثدييات. ولم لا؟ وعدوها اللدود وشبح الأشباح يلفظ أنفاسه الأخيرة الآن، سامحًا لها بالخروج من مخابئها والتجول بحرية على سطح الأرض. فبدأ السجل الأحفوري مع الوقت يُظهر لنا حفريات أكبر حجمًا وأكثر تعقيدًا كلما اتجهنا لليوم الحالي، فمن كائن يشبه الفئران الصغيرة إلى الحوت الأزرق العملاق، ومن فريسة ضعيفة ترتعب من خيالها لأمهر الصياديين وأشرسهم على الإطلاق!! 8,9*

Asteroid impact, artwork

منذ 7 مليون عام
بدأ السجل الأحفوري يأخذ منحى آخر مع الوقت عندما بدأ ظهور كائنات شبيهة بالإنسان ولكنها ليست إنسانًا على الإطلاق. كائن بدماغ صغيرة بحجم البرتقالة ولكنه يسير على قدمين -كم أتمنى أن أرى تلك الكائنات في حالة غير حالتها المتحجرة- مرورًا بغيرهم من الكائنات الأكثر تعقيدًا كالهومو إريكتس، وصولًا للإنسان البدائي -النياندرتال- والإنسان العاقل الآن! 6,7 *

بعد كل هذا المُدة وكل هذه المسافة المليارية ظهر كائن بسيط في عمره كبير في طموحه استطاع أن يستدل على هذا التصادم العابر للأزمنة مستخدمًا ذكاءه وطموحه وبعض الأدوات البسيطة. تخيل أن خلال هذه الرحلة العظيمة لم يكن أي كائن حي – على الأقل في مجموعتنا الشمسية – يعرف أو حتى يهتم بمثل هذه الأحداث في الفضاء، واستمر هذا حتى مطلع القرن العشرين عندما قدم أينشتاين نظريته وصولًا لعام ٢٠١٥ عندما استطعنا رصد الموجات الثقالية التي وصلتنا أخيرًا في رحلة استمرت ١.٣ مليار سنة، قد تكون مُملة بالنسبه لها، ولكنها كانت غنية وأساسية بالنسبة لنا وللحياة على كوكبنا الجميل.

أُدرك أنه من الصعب علينا كبشر أن نعي معنى تلك الملايين من السنين بينما لا تتجاوز أحلامنا أن نحيا ١٠٠ سنة فقط على هذا الكوكب، فحياتنا اللحظية مقارنة مع عمر هذا الكوكب المقدر بـ٤.٥ مليار عام صادمة، ولكن يؤسفني أن أقول لك أن عدم قدرتنا على تخيل مثل هذه الحقائق لن يغير من واقع حدوثها بشىء. لذلك ففي رأيي أن كل من يعيش الآن في هذه الحقبة محظوظ، محظوظ فعلاً بالمعرفة; المعرفة التي حُرم منها جميع أسلافنا!
.
ـــــــــــــــــــ
اعداد:- عماد فايد
تدقيق لغوي: صلاح الدين
.
مواضيع ذات صلة:
أصل رباعيات الأرجل !
كيف يتم تحديد عمر الأشياء و التي قد يصل عمرها مليارات السنين ؟!
ما هو الثقب الأسود و ماذا سيحدث إذا سقط بداخله؟!

.
.
الرمز * يعني مصدر و هذه هي المصادر بالترتيب حسب الأرقام.
*1
2*
3*
4*
5*
6*
7*
8*
9*

Comments

comments